الغزالي
147
إحياء علوم الدين
هذا شرط الزهد . فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حد ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا . وإن كانت له ضيعة ولم يكن له قوة يقين في التوكل ، فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعة لسنة واحدة ، فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد ، بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنته ، ولكن يكون من ضعفاء الزهاد . فإن شرط التوكل في الزهد كما شرطه أويس القرني رحمه الله ، فلا يكون هذا من الزهاد . وقولنا إنه خرج من حد الزهاد نعني به أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله . وإلا فاسم الزهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول والكثرة . وأمر المنفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل ، وقد قال أبو سليمان : لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد ، بل يدعوهم إليه ، فإن أجابوا ، وإلا تركهم وفعل بنفسه ما شاء ، معناه أن التضييق المشروط على الزاهد يخصه ، ولا يلزمه كل ذلك في عياله . نعم لا ينبغي أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حد الاعتدال ، وليتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انصرف من بيت فاطمة رضوان الله عليها بسبب ستر وقلبين ، لأن ذلك من الزبنة لا من الحاجة فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه ومال ليس بمحذور . بل الزائد على الحاجة سم قاتل والمقتصر على الضرورة دواء نافع . وما بينهما درجات متشابهة : فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سما قاتلا فهو مضر . وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنه قليل الضرر . والسم محظور شربه ، والدواء فرض تناوله ، وما بينهما مشتبه أمره . فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه ، ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه . ومن استبرأ لدينه ، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ورد نفسه إلى مضيق الضرورة ، فهو الآخذ بالحزم ، وهو من الفرقة الناجية لا محالة والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا : بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين ، لأنه شرط الدين ، والشرط من جملة المشروط . ويدل عليه ما روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة ، فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا ، فلم يقرضه فرجع مهموما . فأوحى الله تعالى إليه . لو سألت خليلك لأعطاك . فقال يا رب ، عرفت مقتك للدنيا ، فخفت أن أسألك منها شيئا . فأوحى الله تعالى إليه . ليس الحاجة من الدنيا فإذا قدر الحاجة من الدين . وما وراء ذلك وبال في الآخرة ، وهو في الدنيا أيضا كذلك